تشدد الفيدرالي يضغط على سوق العملات الرقمية رغم اتفاق السلام بين أمريكا وإيران

في الوقت الذي استقبلت فيه الأسواق العالمية التطورات الجيوسياسية الأخيرة بنوع من التفاؤل، اختارت سوق العملات الرقمية مساراً مغايراً؛ إذ لم تكن الانفراجة السياسية كافية لتبديد مخاوف المستثمرين أمام اللهجة الصارمة لـ “الفيدرالي الأمريكي”.
فقد قرر الاحتياطي الفيدرالي، في اجتماعه الأول تحت قيادة رئيسه الجديد كيفن وارش، الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، لكنه أرسل إشارات واضحة تعكس قلقاً متزايداً بشأن معدلات التضخم مقارنة بمستويات النمو الاقتصادي. وبناءً على ذلك، شهدت سوق العملات الرقمية تراجعاً جماعياً، رغم إبرام اتفاق السلام الإيراني الذي أنعش الأسواق المالية الأخرى، إذ فضل المستثمرون التركيز على الموقف الصارم والمتشدد للبنك المركزي تجاه التضخم.
وأشار الفيدرالي إلى احتمال بقاء تكاليف الاقتراض مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يساهم في تشديد الظروف المالية التي عادةً ما تلقي بظلالها السلبية على الأصول عالية المخاطر مثل البيتكوين والإيثريوم. وفي ظل غياب المحفزات الرئيسية، يتوقع المحللون أن يظل سعر البيتكوين محصوراً في نطاق ضيق بين 60,000 و70,000 دولار، ما لم يطرأ تطور جديد، مثل إقرار تشريع أمريكي ينظم العملات المشفرة أو حدوث خفض إضافي للتصعيد بين الولايات المتحدة وإيران.
سوق العملات الرقمية تتجاهل التفاؤل الجيوسياسي وتتراجع جماعياً
وسجلت سوق العملات الرقمية هذا الهبوط الجماعي يوم الخميس، متجاهلةً توقيع اتفاق السلام الإيراني الذي دفع الأسهم إلى الارتفاع، وجاء التراجع مدفوعاً بوضوح برغبة الفيدرالي في كبح جماح التضخم، حتى لو كان ذلك على حساب معدلات النمو.
ووفقاً لبيانات منصة “CoinDesk”، جرى تداول البيتكوين حول مستويات 63,900 دولار، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 3% خلال 24 ساعة، وإن كان لا يزال يحتفظ بمكاسب قدرها 2% على مدار الأسبوع. ولم يقتصر التراجع على البيتكوين، بل اتسعت موجة البيع لتشمل معظم العملات الرئيسية؛ إذ انخفض الإيثريوم بنسبة 3.4% ليصل إلى 1,733 دولاراً، وتراجع XRP بنسبة 3.9% إلى 1.17 دولار، في حين خسرت سولانا نحو 3.6% من قيمتها لتستقر عند 71 دولاراً. كما شهدت عملة HYPE، التابعة لمنصة Hyperliquid والتي كانت الأعلى ارتفاعاً هذا الأسبوع، أكبر حركة تصحيحية بعد هبوطها بنسبة 7.2% إلى 69 دولاراً، رغم أنها لا تزال مرتفعة بنحو 28% خلال سبعة أيام، بينما كانت ترون العملة القيادية الوحيدة التي خالفت الاتجاه العام، مسجلةً مكاسب طفيفة بنسبة 0.9%.
تأثير السياسة النقدية الصارمة على السيولة
كانت قرارات الاحتياطي الفيدرالي المحرك الأساسي لحركة السوق، حيث أبقى أسعار الفائدة بين 3.5% و3.75% تماشياً مع التوقعات. إلا أن توقعاته المحدثة أشارت لاستمرار التضخم المرتفع وتباطؤ وتيرة خفض الفائدة مستقبلاً. بل إن بعض المسؤولين ألمحوا بوضوح إلى إمكانية الحاجة لرفعها مجدداً إذا دعت الحاجة.
ويعد هذا القرار الخطوة الأولى في عهد الرئيس الجديد كيفن وارش بعد توليه قيادة البنك المركزي. وقد كشف وارش عن وجود نقاشات حادة سبقت التصويت، متعهداً بالالتزام الكامل بتحقيق استقرار الأسعار في الأسواق.
وبطبيعة الحال، فإن تبني الفيدرالي لموقف أكثر تشدداً يفرض ظروفاً مالية ونقدية صرامة على الجميع. وهو ما يؤدي عادةً إلى سحب السيولة النقدية التي تغذي الأصول الرقمية والأسواق الناشئة بشكل عام.
تباين الأداء بين الأسهم والعملات المشفرة
على النقيض من سوق العملات الرقمية، استقبلت الأسهم أخبار الأسبوع بتفاؤل مدعوم بتطورات جيوسياسية منفصلة وهامة. إذ وقع الرئيس دونالد ترامب اتفاقاً مؤقتاً لإنهاء الحرب مع إيران وإعادة فتح مضيق هرمز ليدخل حيز التنفيذ فوراً.
ونتيجة لهذه الانفراجة، ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر S&P 500 بنسبة تصل إلى نحو 0.9% تقريباً. كما صعدت العقود الآجلة لمؤشر ناسداك بنسبة 1.5%، في حين تراجع خام برنت ليتداول بالقرب من 78 دولاراً للبرميل.
ومع ذلك، لم تتمكن الأصول المشفرة من الاستفادة من هذه الأجواء الإيجابية السائدة في الأسواق التقليدية. ويعطي هذا السلوك السعري إشارة واضحة على طبيعة المحركات الأساسية الحالية للعملات الرقمية. فهي تتأثر في الوقت الراهن بقرارات السياسة النقدية للفيدرالي، أكثر من تأثرها المباشر بالانفراجات الجيوسياسية.
توقعات حركة البيتكوين ومستقبل التدفقات النقدية
في ظل هذه المعطيات، يرى الخبراء أن سعر البيتكوين سيبقى يتحرك عرضياً ضمن نطاق محدد. وسيستمر هذا الأداء العرضي حتى ظهور محفز حقيقي وقوي قادر على تغيير اتجاه السوق الحالي.
وفي هذا الصدد، علق جيري أوشيا، رئيس قسم رؤى السوق العالمية في شركة “Hashdex”، قائلاً:
نتوقع استمرار تداول البيتكوين بين مستويات 60,000 و70,000 دولار خلال الأسابيع المقبلة.
وأضاف أن هذا الاستقرار سيتواصل في ظل غياب أي محرك رئيسي قادر على دفع الأسعار طردياً.
وقد حدد أوشيا نوعية المحفزات القادرة على كسر هذا النطاق في نقطتين أساسيتين. النقطة الأولى هي اعتماد مشروع قانون CLARITY ليصبح قانوناً نافذاً لتنظيم هيكلة سوق العملات الرقمية في الولايات المتحدة. أما النقطة الثانية فهي حدوث خفض أكبر في حدة التوترات الجيوسياسية بين واشنطن وطهران.
وأشار أوشيا أيضاً إلى أن معنويات المستثمرين في قطاع العملات الرقمية اتسمت بالضعف مؤخراً. ويعود ذلك إلى جذب الطروحات الأولية العامة وأسهم الذكاء الاصطناعي للانتباه والسيولة بعيداً عن الكريبتو. لكنه استدرك بأنه يتوقع عودة تدفق رؤوس الأموال مجدداً مع تزايد الاهتمام المؤسسي واكتمال الأطر التنظيمية للقطاع.
ختاماً، تُظهر الحركة الحالية للأسعار أن السوق يمر بمرحلة تجميع وتوطيد (Consolidation) بدلاً من الدخول في مرحلة استسلام أو انهيار. وقد نجح البيتكوين في الحفاظ فوق حاجز 64,000 دولار، مما يشير إلى أن ضغوط البيع بدأت بالانحسار تدريجياً.
ويوحي هذا الثبات بتراجع حدة الهبوط، على الرغم من استمرار حذر المشترين نتيجة للسياسة النقدية الصارمة التي يتبعها الفيدرالي. لكن تظل سياسة الفيدرالي التشددية العائق الأساسي الذي يحد من الارتفاعات القوية ويمنع تحقيق قفزات جديدة حالياً.
المصدر: CoinDesk




