صدمة للمتداولين: نموذج رياضي جديد ينهي أحلام الارتفاعات الصاروخية للبيتكوين

يضع نموذج سعري جديد للبيتكوين، طوره المحلل الكمي “بنيامين كوين”، حداً إحصائياً لظاهرة “العوائد المتناقصة” التي يشهدها الأصل الرقمي. وتُظهر الدراسة أن توزيع أسعار البيتكوين يميل إلى الاستقرار والتسطح عند مستويات القمة السعرية بوتيرة أسرع بكثير مقارنة بمستويات القاع.
تستند الورقة البحثية، التي تحمل عنوان “انحناء الذيل غير المتماثل في كميات سعر البيتكوين” (Asymmetric Tail Curvature in Bitcoin Price Quantiles)، إلى دراسات سابقة لنمذجة أسعار البيتكوين. وتتحدى هذه الورقة النماذج التحليلية الشهيرة التي لطالما استمرت في توقع تسجيل قمم سعرية أعلى في كل دورة جديدة للسوق، معتمدةً في تحليلها على بيانات تداول يومية تغطي 16 عاماً، وصولاً إلى شهر أيار 2026.
لماذا استمرت نماذج تسعير البيتكوين القديمة في الفشل؟
في القسم الثالث من الورقة، يقارن “كوين” بين ثلاثة من أشهر نماذج تسعير البيتكوين وحركة الأسعار التاريخية بين عامي 2019 و2026. وقد أظهرت النماذج الثلاثة تفاؤلاً مبالغاً فيه، حيث كان حجم الخطأ يرتفع كلما زادت التوقعات السعرية للنموذج.
على سبيل المثال، أعطى نموذج “قانون القوة” (Power Law) الأصلي توقعات مفرطة في التفاؤل. هذا النموذج تم ضبطه تاريخياً حتى عام 2018. وقد تجاوزت تقديراته السعر الفعلي للبيتكوين في 77.2% من أيام التداول. ونتيجة لذلك، بلغ متوسط الخطأ في النموذج 32.1% فوق السعر الحقيقي للسوق.
أما نموذج “المخزون للتدفق” (Stock-to-Flow) الشهير للمحلل PlanB، فقد تجاوز السعر الحقيقي في 94.9% من الأيام، بمتوسط خطأ صادم بلغ 294.5%. وفي السياق ذاته، قدم نموذج الأصول المتعددة (S2FX) توقعات خاطئة بنسبة 1,699%، ما يعني افتراض وصول سعر البيتكوين إلى مستويات تتجاوز 5 ملايين دولار.
تشخيص “كوين” لهذه الحالة كان مباشراً؛ فهذه النماذج اعتمدت على حالة “الانعكاسية” (Reflexivity) المبكرة للبيتكوين، وهي الفترة التي كانت فيها تدفقات نقدية صغيرة قادرة على إحداث تقلبات سعرية هائلة. وقد افترضت تلك النماذج استمرار هذا السلوك حتى في سوق باتت تسيطر عليه المؤسسات المالية الكبرى ويتمتع بقيمة سوقية تريليونية.
يتداول البيتكوين حالياً دون مستوى 70,000 دولار بقليل، بقيمة سوقية تتجاوز 1.4 تريليون دولار. ورغم تراجع الأصل بنسبة 4% خلال الـ 24 ساعة الماضية، إلا أنه يحافظ بقوة على مكانته كأكبر عملة رقمية من حيث القيمة السوقية.
النتائج الرئيسية للورقة البحثية الجديدة
يحوّل إعداد “كوين” قانون القوة القياسي للبيتكوين إلى منحنى بدلاً من خط مستقيم واحد على المخطط اللوغاريتمي. ويقوم النموذج بدمج مجموعة من النطاقات عند نسب مئوية مختلفة للأسعار، ليبحث بعد ذلك فيما إذا كانت النطاقات العلوية تنحني بطريقة مختلفة عن نظيرتها السفلية.
وقد قادت هذه المنهجية إلى الاكتشاف الأبرز في الورقة البحثية. فالنطاقات العلوية تمثل قمم المضاربة، وتتميز بأنها تنحني للداخل وتتسطح بمرور الوقت. في المقابل، تحافظ النطاقات السفلية على مسار شبه مستقيم لتمثل مستويات الدعم الهيكلي. وهذا يعني أن القمم تنضغط مع كل دورة جديدة، بينما تستمر القيعان في الصعود وفق مسارها التاريخي.
وتؤكد الأرقام هذه النتائج؛ حيث يبلغ انحناء الذيل العلوي حوالي -0.33، وهو رقم ذو دلالة إحصائية واضحة. أما انحناء الذيل السفلي فيستقر بالقرب من -0.02، وهو مستوى لا يكاد يختلف عن الخط المستقيم. ويعد هذا الفارق كبيراً وملحوظاً عند مستوى دلالة 1% وفقاً لـ “اختبار التمهيد” (Bootstrap Test) المعتمد في الدراسة.
ومن خلال تحليل 27 نافذة زمنية موسعة للبيانات التاريخية، ظل انحناء الذيل العلوي مستقراً ضمن نطاق ضيق يقارب -0.3، حيث أظهرت كل نافذة رفضاً قاطعاً لفرضية التماثل.
“الانعكاسية المتناقصة”: تفسير أكاديمي لنظرية متداولة
قدم “كوين” في النصف الأخير من بحثه آلية تفسر ما اصطلح المتداولون على تسميته لسنوات بـ “نظرية العوائد المتناقصة”، والتي أطلق عليها في بحثه مصطلح “الانعكاسية المتناقصة”.
في البدايات، كان حجم سوق البيتكوين صغيراً، حيث كانت بضعة مئات الملايين من الدولارات كفيلة بدفع السعر للارتفاع بنسبة 10,000% خلال عام واحد. ولكن مع تضخم القيمة السوقية للبيتكوين ووصولها إلى التريليونات، بات تحقيق نفس النسبة من التحرك السعري يتطلب سيولة نقدية ضخمة جداً. ولهذا السبب، تستقر ذروة كل دورة سوقية جديدة في مستوى أقرب إلى الاتجاه السعري طويل الأجل مقارنة بالدورة التي سبقتها.
ووفقاً للنموذج، يتلاشى تأثير هذه الانعكاسية تدريجياً مع نضوج البيتكوين. وفي حين يستمر الطلب الهيكلي على البيتكوين كأصل نقدي في التزايد وفق مسار ثابت يخضع لقانون القوة، يتراجع في المقابل نطاق المضاربة السعرية. ونتيجة لتفاعل هاتين القوتين، تتشكل مروحة من النطاقات التي تضيق وتتقارب بشدة عند القمة.
تكمن أهمية هذه الصياغة الأكاديمية في أنها تُتَرجم نظرية العوائد المتناقصة إلى مؤشر رقمي دقيق مع فاصل ثقة محدد، وهو ما يستبدل التقديرات العشوائية والمبهمة للدورات السابقة بتقييم علمي ورسمي.
محاذير النموذج: هل يمكن الاعتماد على هذه النتائج كلياً؟
خصصت الورقة البحثية سبعة أقسام لاستعراض المحاذير ونقاط الضعف المحتملة للنموذج، وهذه الشفافية هي تحديداً ما يعزز من موثوقية الدراسة.
-
حجم العينة المحدود: يتمثل التحذير الأول في صغر حجم العينة المتاحة؛ فعملة البيتكوين لم تمر سوى بأربع دورات تنصيف (Halving) حتى الآن. وفي الأطر الزمنية القصيرة، يتذبذب معامل الانحناء في نموذج “كوين” ليصل إلى مستويات غير منطقية، وهو ما أشار إليه الباحث باعتباره ضعفاً في دقة التحديد.
-
حساسية النقطة المرجعية: يتعلق التحذير الثاني بحساسية النقطة المرجعية للبيانات؛ فإذا تم تغيير نقطة انطلاق النموذج من كانون الثاني 2009 إلى كانون الثاني 2010، فإن انحناء الذيل العلوي يتقلص ليقترب من الصفر. وبالتالي، تعتمد قوة هذا الاكتشاف على مدى أهمية بيانات التداول خلال فترة شح السيولة في عامي 2010 و2011.
-
الشكل الوظيفي: يرتبط التحذير الثالث بالشكل الوظيفي؛ إذ يشير الانحناء السلبي في المخطط اللوغاريتمي إلى أن النموذج يتوقع رياضياً، عند امتداده إلى ما لا نهاية، انخفاض أسعار البيتكوين في النهاية. لكن “كوين” يؤكد بوضوح أن هذا الاستنتاج يجب ألا يُفهم بشكل حرفي، فالنموذج يصف أفقاً زمنياً محدوداً ولا يقدم أهدافاً سعرية قاطعة.
-
متانة مستويات الدعم: يتعلق التحذير الرابع بالقاعدة (القاع) بحد ذاتها؛ فقد سبق وأن تم كسر النطاق السفلي في فترات سابقة، وتحديداً خلال موجات الضغط البيعي بين عامي 2010 و2015، وإبان انهيار منصة FTX في تشرين الثاني 2022.
ويشير “كوين” في هذا الصدد إلى أن عدم رفض فرضية “تسطح الذيل السفلي” لا يعني بالضرورة إثباتها، حيث أن فاصل الثقة في البيانات واسع بما يكفي لإخفاء الانحناء الحقيقي للمسار السعري.
ماذا يعني هذا لدورة البيتكوين القادمة؟
بالنسبة للمتداولين والمستثمرين، تكمن الفائدة العملية لهذا النموذج في ضبط التوقعات. فالهدف الأساسي هنا ليس توقيت السوق بدقة. وإذا كان انحناء الذيل العلوي مستقراً، فإن المكاسب المئوية ستستمر في التراجع. هذا التحول يعني انضغاط قمم الدورات المستقبلية بشكل مستمر.
وتنسجم هذه المعطيات تماماً مع نمط الدورة الحالية للسوق. فقد سجل البيتكوين أعلى مستوى تاريخي له بالقرب من 126,080 دولاراً في تشرين الأول 2025. ومنذ ذلك الوقت، تراجع السعر بنسبة تقارب 44%. وبشكل عام، سجل الأصل انخفاضاً إجمالياً بنسبة 33% خلال العام الماضي.
من جانبه، يؤكد “كوين” أن دورة السنوات الأربع لا تزال قائمة وفعالة. وإذا صح هذا الافتراض، فإن نطاق القمم السعرية أصبح أضيق بكثير. هذا النطاق يعد صغيراً مقارنة بدورتي 2017 و2021. وهو ما يتماشى تماماً مع فكرة إطالة أمد الدورات وتراجع هوامش الأرباح.
في المحصلة، لا تقدم هذه الورقة تنبؤات بأسعار التداول للشهر المقبل أو الربع القادم. وهي لا تستهدف تبيان السعر حتى في عام 2028. بل تقدم الدراسة صورة أكثر واقعية لتوزيع الأسعار على المدى الطويل. وتستند هذه الصورة إلى أسس قانون القوة للمحللين “ترولولولو” و”جيوفاني سانتوستاسي”. كما تعتمد على منهجية النطاقات الكمية (Quantile-Band) الخاصة بالمحلل Plan C.
وختاماً، ثمة ملاحظة جوهرية تستحق التأمل بخصوص النماذج القديمة المفرطة في التفاؤل. فهذه النماذج لم تفشل بسبب تخييب البيتكوين لآمال المستثمرين. السر يكمن في أنها صُممت لتناسب نظاماً مالياً قديماً. وتلك البيئة السوقية السابقة لم يعد لها أي وجود في عالمنا اليوم.
المصدر: بي ان كريبتو




