من البنوك إلى العقود الذكية.. صندوق النقد الدولي يحذر من مخاطر ترميز الأصول

قال صندوق النقد الدولي إن ترميز الأصول لا يمثل مجرد ترقية تقنية تتيح تسوية أسرع ومدفوعات أرخص، بل قد يعيد تشكيل بنية النظام المالي العالمي.
وأوضح الصندوق، في تدوينة حديثة، أن نقل الأصول والالتزامات المالية إلى دفاتر رقمية مشتركة قد يغيّر طريقة عمل الأسواق من الأساس. فالعمليات التي تتم اليوم على مراحل متتابعة، مثل تنفيذ الصفقات والمقاصة والتسوية، يمكن أن تحدث في وقت واحد عبر البرمجيات والعقود الذكية.
ويرى الصندوق أن هذا التحول قد ينقل جزءاً من المخاطر بعيداً عن ميزانيات البنوك وصناديق الاستثمار، باتجاه الشركات التي تدير المنصات والبنى التحتية الرقمية للأسواق. وبذلك لا تتغير سرعة المعاملات فقط، بل تتغير أيضاً نقاط الضعف المحتملة داخل النظام المالي.
ترميز الأصول يتجاوز الرقمنة التقليدية
أشار صندوق النقد الدولي إلى أن المدفوعات والأوراق المالية والمشتقات كانت رقمية منذ عقود، لكنها لا تزال تعتمد على قواعد بيانات مركزية وعمليات متتابعة. فالتعليمات تُرسل، والصفقات تُطابق، والتسوية تتأخر في كثير من الحالات، قبل أن تبدأ عمليات المطابقة والمراجعة.
ورغم أن هذه الاحتكاكات تزيد الوقت والتكلفة، فإنها توفر هوامش أمان مهمة. فهي تمنح المؤسسات والجهات الرقابية فرصة للتدخل عند وقوع أخطاء أو ضغوط في السوق.
أما ترميز الأصول، فيذهب أبعد من الرقمنة التقليدية. فهو يدمج الملكية والتحويل داخل الأصل نفسه. وعند انتقال أصل مرمّز بين طرفين، تستطيع العقود الذكية تنفيذ الصفقة، ونقل الملكية، وتحريك المدفوعات في الوقت نفسه عبر دفتر رقمي مشترك.
لكن هذا النموذج يخلق معادلة أكثر حساسية. فاختفاء الاحتكاكات يعني أيضاً تراجع بعض هوامش الأمان. وقد تظهر احتياجات السيولة في الوقت الحقيقي، فيما تصبح طلبات الضمانات آلية، ويمكن أن تنتقل حالات الفشل بسرعة تفوق قدرة المؤسسات أو الجهات الرقابية على الاستجابة.
العملات المستقرة والودائع المرمّزة في قلب التحول
يرى صندوق النقد الدولي أن كل نظام مالي يحتاج إلى أصل أساسي للتسوية. وتقليدياً، لعبت أموال البنوك المركزية هذا الدور، خصوصاً الاحتياطيات منخفضة المخاطر التي تحتفظ بها المؤسسات المالية لدى البنك المركزي.
لكن ترميز الأصول يعيد فتح هذا النقاش، لأنه يسمح بتداول أشكال متعددة من الأموال الرقمية على دفاتر مشتركة. ويبرز هنا ثلاث مسارات رئيسية: الودائع المصرفية المرمّزة، والعملات المستقرة، واحتياطيات البنوك المركزية المرمّزة.
فالودائع المصرفية المرمّزة تمثل نسخة رقمية من ودائع البنوك التجارية القائمة. وتتيح هذه الودائع تسوية ذرية، أي متزامنة، وإدارة أكثر كفاءة للسيولة. لكنها قد تقلص قدرة البنوك على التعامل مع الظروف غير المتوقعة، بسبب طبيعة التسوية المستمرة.
أما العملات المستقرة، فتجمع بين قابلية البرمجة والانتشار العالمي. غير أنها تعتمد على وعد أساسي، وهو الحفاظ على قابلية التحويل بالقيمة الاسمية إلى أشكال أخرى من المال. ويعتمد هذا الوعد على جودة الاحتياطيات، وسيولة السوق، وقدرة المُصدر على الصمود في فترات الضغط.
في المقابل، قد تزيل احتياطيات البنوك المركزية المرمّزة مخاطر الائتمان من أصل التسوية نفسه. لكنها تتطلب من البنوك المركزية تشغيل بنى تحتية قابلة للبرمجة، أو الإشراف عليها بشكل مباشر، ما يوسع دورها التشغيلي إلى ما هو أبعد من أنظمة المدفوعات التقليدية.
ترميز الأصول لا يُنهي دور البنوك لكنه يغيّر طريقة عملها
أكد صندوق النقد الدولي أن ترميز الأصول لا يلغي دور البنوك، لكنه يغير طريقة تمويلها لنفسها، وإدارتها للسيولة، وتحملها للمخاطر.
فعلى جانب الالتزامات، يمكن للودائع المرمّزة أن توحّد المدفوعات وتسوية معاملات العملاء ووظائف الخزينة على دفاتر مشتركة. وعلى جانب الأصول، يسمح الإقراض المرمّز بتضمين قواعد مثل احتساب الفوائد ومحفزات الضمانات داخل العقود الذكية.
وتواجه أسواق رأس المال تحولاً مشابهاً. فالأوراق المالية المرمّزة قد تجمع الإصدار والتداول والتسوية والحفظ والامتثال داخل مسارات عمل موحدة. وهذا قد يخفض مخاطر الطرف المقابل، لكنه يجعل احتياجات السيولة مستمرة.
كما أن عمليات الاسترداد والهامش الآلية قد تحسن الكفاءة في الأوقات العادية، لكنها قد تسرّع انتقال الضغوط خلال فترات اضطراب السوق.
كفاءة أعلى ومخاطر أكثر تركّزاً
بحسب صندوق النقد الدولي، قد تؤدي الدفاتر الرقمية المشتركة والمصرح بها إلى تركيز النشاط في عدد أقل من المنصات. وهذا قد يحسن السيولة والكفاءة، لكنه يجعل المرونة التشغيلية والأمن السيبراني وإدارة الأزمات أكثر أهمية.
وشدد الصندوق أيضاً على أهمية قابلية التشغيل البيني بين المنصات. فالتجزئة أو الروابط الضعيفة بين البنى التحتية المختلفة قد تحتجز السيولة، وتعيد المخاطر إلى النظام المالي من مسار آخر.
وتطرح التسوية الفورية وعلى مدار الساعة تحدياً إضافياً. فالأسواق المالية والبنوك المركزية اعتادت العمل وفق دورات أيام العمل، بينما تتطلب البنية المرمّزة آليات دعم سيولة يمكن أن تعمل مباشرة على هذه البنى وبسرعة عالية.
ومع انتقال المنطق المالي إلى العقود الذكية، تصبح القواعد التي تحكم المعاملات مكتوبة في الكود. لذلك يرى الصندوق أن الرقابة الفعالة يجب ألا تقتصر على المؤسسات، بل يجب أن تمتد إلى الكود نفسه، خصوصاً إذا أصبحت بعض العقود الذكية حيوية إلى درجة تجعل فشلها تهديداً للنظام المالي.
مخاطر أكبر على الاقتصادات الناشئة
أشار صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصادات الناشئة والنامية قد تستفيد من مدفوعات عابرة للحدود أسرع وأرخص، ومن وصول أفضل إلى الأسواق، وتسوية أكثر كفاءة. لكن هذه المكاسب تأتي مع مخاطر كبيرة.
فالأصول والأموال المرمّزة يمكن أن تتحرك عبر الحدود بشكل شبه فوري، متجاوزة الاحتكاكات التي تبطئ حالياً تدفقات رأس المال وتمنح صناع السياسات وقتاً للاستجابة.
وقد يزيد ذلك احتمالات تقلب حركة رؤوس الأموال، وتسارع إحلال العملات، وتآكل السيادة النقدية. وتصبح هذه المخاطر أكبر إذا تحولت العملات المستقرة العالمية الصادرة عن جهات خاصة إلى وسائل دفع مهيمنة.
ويرى الصندوق أن الأطر المحلية القوية تظل خط الدفاع الأول. لكنه شدد على أن التنسيق الدولي سيكون ضرورياً حتى يدعم ترميز الأصول الشمول والاستقرار، بدلاً من أن يقوضهما.
التنظيم سيحدد مستقبل التمويل المرمّز
خلص صندوق النقد الدولي إلى أن مستقبل التمويل المرمّز سيتوقف على قرارات تنظيمية وقانونية معقدة. وتشمل هذه القرارات دور المال العام والخاص، وقابلية التشغيل البيني، وحوكمة الكود، وآليات دعم السيولة، والاعتراف القانوني بنهائية التسوية والملكية الرقمية.
وبحسب الصندوق، فإن أفضل سيناريو يتمثل في بناء نظام يوفر أصول تسوية منخفضة المخاطر ورقابة منسقة دولياً، مع تشجيع قابلية التشغيل البيني بين المنصات.
أما غياب الوضوح القانوني والتنظيمي، فقد يجعل ترميز الأصول أكثر تجزئة، ويبقيه على هامش النظام المالي بدلاً من تحويله إلى جزء أساسي من بنيته المستقبلية.
المصدر: IMF




